العيني

28

عمدة القاري

وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر بتمامه ، وفي موضع آخر ببعضه . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى ، وعن محمد بن بشار ، وعن سويد بن نصر . وأخرجه ابن ماجة فيه عن محمد بن بشار عن بندار به . ذكر معناه : قوله : ( واحدنا ) الواو فيه للحال . قوله : ( جليسه ) ، الجليس على وزن : فعيل ، بمعنى : المجالس ، وأراد به الذي إلى جنبه ، وفي رواية الجوزقي من طريق وهب عن شعبة : ( فينظر الرجل إلى جليسه إلى جنبه ) . وفي رواية أحمد : ( فينصرف الرجل فيعرف وجه جليسه ) . وفي رواية لمسلم : ( وبعضنا يعرف وجه بعض ) . قوله : ( ما بين الستين إلى المائة ) يعني : من ) آيات القرآن الحكيم . قال الكرماني : فإن قلت لفظ : بين ، يقتضي دخوله على متعدد ، فكان القياس أن يقال : والمائة ، بدون حرف الانتهاء ؟ قلت : تقديره ما بين الستين وفوقها إلى المائة ، فحذف لفظ : فوقها ، لدلالة الكلام عليه . قوله : ( والعصر ) بالنصب أي ، ويصلي العصر ، و : الواو ، في : وأحدنا ، للحال . قوله : ( إلى أقصى المدينة ) أي : إلى آخرها . قوله : ( رجع ) ، كذا وقع بلفظ الماضي بدون : الواو ، وفي رواية أبي ذر والأصيلي ، وفي رواية غيرهما : ( ويرجع ) ، بواو العطف وصيغة المضارع ، ومحله الرفع على أنه خبر للمبتدأ الذي هو قوله : ( وأحدنا ) ، فعلى هذا يكون لفظ : يذهب ، حالاً بمعنى : ذاهبا ، ويجوز أن يكون : يذهب ، في محل الرفع على أنه خبر لقوله : ( أحدنا ) ، وقوله : رجع ، يكون في محل النصب على الحال و : قد ، فيه مقدرة لأن الجملة الفعلية الماضية ، إذا وقعت حالاً فلا بد منها من كلمة : قد إما ظاهرة وإما مقدرة ، كما في قوله تعالى : * ( أوجاؤكم حصرت صدورهم ) * ( النساء : 90 ) . أي : قد حصرت ، ولكن تكون حالاً منتظرة مقدرة ، والتقدير : وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة حال كونه مقدرا الرجوع إليها والحال أن الشمس حية . وقال بعضهم : يحتمل أن تكون : الواو ، في قوله : وأحدنا ، بمعنى ثم . وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير : ثم يذهب أحدنا ، أي ممن صلى معه ، وأما قوله : راجع ، فيحتمل أن يكون بمعنى : يرجع ، ويكون بيانا لقوله : يذهب . قلت : هذا فيه ارتكاب المحذور من وجوه . الأول : كون : الواو ، بمعنى : ثم ، ولم يقل به أحد . والثاني : إثبات التقديم والتأخير من غير احتياج إليه . والثالث : قوله : يرجع ، بيان لقوله : يذهب ، فلا يصح ذلك لأن معنى : يرجع ، ليس فيه غموض حتى يبينه بقوله : يذهب ، ومحذور آخر وهو أن يكون المعنى : واحدنا يرجع إلى أقصى المدينة ، وهو مخل بالمقصود . وزعم الكرماني أن فيه وجها آخر ، وفيه تعسف جدا ، وهو أن : رجع ، بمعنى : يرجع ، عطف على : يذهب ، و : الواو ، مقدرة وفيه محذور آخر أقوى من الأول ، وهو أن المراد بالرجوع هو : الرجوع إلى أقصى المدينة لا الرجوع إلى المسجد ، فعلى هذا التقدير يكون الرجوع إلى المسجد ، والدليل على أن المراد هو الذهاب إلى أقصى المدينة والرجوع إليها رواية عوف الأعرابي عن سيار بن سلامة الآتية عن قريب ، ثم يرجع أحدنا إلى رحلة في أقصى المدينة والشمس حية . واقتصر ههنا على ذكر الرجوع لحصول الاكتفاء به لأن المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل ، وإنما سمي رجوعا لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد ، فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعا . قوله : ( والشمس حية ) وحياة الشمس عبارة عن بقاء حرها لم يغير ، وبقاء لونها لم يتغير ، وإنما يدخلها التغير بدنو المغيب ، كأنه جعل مغيبها موتا لها . قوله : ( ونسيت ) أي : قال أبو المنهال : ( نسيت ما قاله أبو برزة في ( المغرب ) . قوله : ( ولا يبالي ) عطف على قوله : ( يصلي ) أي : ولا يبالي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من المبالاة وهو الاكتراث بالشيء . قوله : ( إلى شطر الليل ) أي : نصفه ، ولا يقال : إن الذي يفهم منه أن وقت العشاء لا يتجاوز النصف ، لأن الأحاديث الاخر تدل على بقاء وقتها إلى الصبح ، وإنما المراد بالنصف ههنا هو الوقت المختار ، وقد اختلف فيه ، والأصح الثلث . قوله : ( قبلها ) ، أي : قبل العشاء . قوله : ( قال معاذ ) هو : معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري التميمي ، قاضي البصرة ، سمع من شعبة وغيره ، مات سنة ست وتسعين ومائة . قال الكرماني : هذا تعليق قطعا ، لأن البخاري لم يدركه . قلت : هو مسند في ( صحيح مسلم ) ، قال : حدثنا عبد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة . . . فذكره . قوله : ( ثم لقيته ) ، أي : أبا المنهال مرة أخرى بعد ذلك . قوله : ( فقال : أو ثلث الليل ) . تردد بين الشطر والثلث . ذكر ما يستفاد منه فيه : الحجة للحنفية لأن قوله : ( وأحدنا يعرف جليسه ) ، يدل على الأسفار ، ولفظ النسائي والطحاوي فيه : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف من الصبح فينظر الرجل إلى الجليس الذي يعرفه فيعرفه ) . ولكن قوله : ( ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة ) يدل على أنه كان يشرع في الغلس ويمدها بالقراءة إلى وقت الإسفار ، وإليه ذهب